التدخين وخطره على الفرد / خطبة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ...
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ - عِبَادَ اللَّهِ -
وَنَفْسِي بِوَصِيَّةِ اللهِ لِلْأَوَّلِينَ والآخِرِينَ؛ إِذْ قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ
أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾، وقال عز
وجل (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ
إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران102]
عباد الله الصحة والمال
نعمتان من الله لا يعرف قدرها إلا من فقدها, ففي الأولى, كم من إنسان يرفل في ثوب الصحة والعافية،
يمشي ويتبختر ناسيا من الذي كساه إياها, ولا يتذكره إلا إذا فقدها.
لك الحمدُ أنْ عافيتنا وكفيتَنا ***
وأوليتنا - ياربُّ - مِن سائر النِّعم
ولكن قد تسلب من الإنسان هذه النعمة, ويكون السبب في سلبها هو الإنسان
نفسه, فاعلم أيها الإنسان أنك في نعمة مغبون فيها, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ:
الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ"، وكما قيل: " الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراها
إلا المرضى"
أما النعمة الثانية فهي نعمة المال, لكن إذا
استثمره الإنسان فيما ينفعه في الدنيا والآخرة, قَالَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنِ الْمَالِ كَمَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو
بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ
لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ"؛ ورَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَديثِ أَبِي بَرْزَةَ
الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ
مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ
أَبْلَاهُ".
ومن أجل الحفاظ على هذه النعم, فإن
الله لم يجعلها ملكاً لصاحبها, فالمال مال الله, والإنسان مستأمن عليه, والصحة
والعافية فضل من الله, وهما ملك له لايجوز لصاحبهما أن يهدرهما في محرم أو معصية .
عباد الله: التدخين سم قاتل وخبيث من الخبائث ولا خير فيه أبدا, وليس هناك
رجل عاقل ينكر ضرره وخبثه, وهو مفسد للمال والصحة
ومن العجيب أنك ترى من يُهْلِكُ
أَعْضَاءَ جَسَدِهِ وَيُتْلِفُهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ بِسِيجَارَةٍ
يَشْرَبُهَا، مَعَ مَا يَبْذُلُهُ مِنَ الْمَالِ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ، فَهُوَ
يَقْضِي عَلَى صِحَّتِهِ بِمَالِهِ، مُسْتَعِدٌّ لِأَنْ يَشْتَرِيَهُ مَهْمَا غلاَ
ثَمَنُهُ، وَلَوْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَنْفَقَ مَالَهُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ
أَوْ فِي أَوْجُهِ الْخَيْرِ لَوَجَدَ ذَلِكَ نُورًا عِنْدَ اللهِ بَدَلاً مِنْ
أَنْ يَجِدَهُ حَسْرَةً وَخَيْبَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ
اللهُ:" قَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى أَنَّ شُرْبَ
الدُّخَّانِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا، وَذَلِكَ لِمَا اشْتَمَلَ
عَلَيْهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْأَضْرَارِ الْكَثِيرَةِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ
يُبِحْ لِعِبَادِهِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبَ إلاَّ مَا كَانَ طَيِّبًا
نَافِعًا، أَمَّا مَا كَانَ ضَارًّا لَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ أَوْ
مُغَيِّراً لِعُقُولِهِمْ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ،
وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْعَلِيمُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ؛ فَلا يُحَرِّمُ
شَيْئًا عَبَثًا، وَلَا يَخْلُقْ شَيْئًا بَاطِلاً، وَلا يَأْمُرُ بِشَيْءٍ لَيْسَ
لِلْعِبَادِ فِيهِ فَائِدَةٌ؛ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ
وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِمَا يُصْلِحُ الْعِبَادَ،
وَيَنْفَعُهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ
اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، وَمِنَ الدَّلائِلِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى
تَحْرِيمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ
مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ وَقَالَ فِي وَصْفِ
نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ فَأَوْضَحَ سُبْحَانَهُ فِي هَاتَيْنِ
الآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ، أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُحِلَّ لِعِبَادِهِ
إلاَّ الطَّيِّبَاتِ؛ وَهِيَ الأَطْعِمَةُ وَالْأَشْرِبَةُ النَّافِعَةُ، أَمَّا
الْأَطْعِمَةُ وَالْأَشْرِبَةُ الضَّارَّةُ، كَالْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدَّرَاتِ،
وَسَائِرِ الأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ الضَّارَّةِ فِي الدِّينِ أَوْ الْبَدَنِ
أَوْ الْعَقْلِ، فَهِيَ مِنَ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ
الأَطِبَّاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَارِفِينَ بِالدُّخَّانِ وَأَضْرَارِهِ أَنَّ
الدُّخَّانَ مِنَ الْمَشَارِبِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا كَبِيرًا، وَذَكَرُوا أَنَّهُ
سَبَبٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الأَمْرَاضِ، فَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلاَ
شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَوُجُوبِ الْحَذَرِ مِنْهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ
أَنْ يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَشْرَبُهُ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾، وَقَالَ عَزَّ
وَجَلَّ: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ
هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ انْتَهَى كَلامُهُ
رَحِمَهُ اللهُ.
واعْلَمُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- أَنَّ
مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ؛ فَإِنَّ التَّدْخِينَ بَرِيدُ
الْمُخَدَّرَاتِ وَهُوَ أَوَّلُ طَرِيقِهِ.
فهل مِنْ رَجُلٍ عَاقِلٍ سَمِعَ هَذَا
فَاعْتَبَرَ، وَعَرَفَ الْحَقَّ وَادَّكَرَ، أَلَا فَلْيَنْتَبِهْ كُلُّ عَاقِلٍ
وَعَاقِلَةٍ، وَلْيَحْذَرْ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو
مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ.
أقول ماتسمعون, وأستغفر الله العظيم لي
ولكم ولسائر المسلمين, فاستغفروه إنه هو
الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ القائل " وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ" ، وَالصَّلاَةُ
وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَإمَامِ الأَتْقِيَاءِ، صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا لَمَعَ بَرْقٌ فِي السَّمَاءِ،
وَطَافَ طَائِرٌ فِي الْهَوَاءِ..
أَمَّا بَعْدُ:
فَاسْعَوْا ياعباد الله فِي الْكَفِّ
عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَأَنْقِذُوا صِحَّتَكُمْ واحْفَظُوا أَمْوَالَكُمْ، وَمَنْ
تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ.
فيَا مَنْ رَزَقَكَ اللهُ الْمَالَ
وَالصِّحَّةَ فَأَفْنَيْتَهُمَا فِي التَّدْخِينِ، هَلْ هَذَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ
عَلَيكَ فِي الْمَالِ وَالصِّحَّةِ؟؟ هَلْ هَذَا هُوَ شُكْرُ تِلْكَ النِّعَمِ؟
مَاذَا لَوْ كُنْتَ فَقِيرًا مُعْدَمًا أَوْ مَرِيضًا مَرَضَا مُزْمِنَا؟ أَمَا
والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ كُنْتَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ غَايَةُ أَمَانِيكَ أَنْ
تُعَافَى وَأَنْ تُرْزَقَ، وَهَا أَنْتَ فِي عَافِيَةٍ وَخَيْرٍ، فَلِمَ لا
تَشْكُرُ، وَلِمَ تَجْحَدُ النِّعَمَ وَتُنْكِرُ؟! إِنَّ الَّذِي أَعْطَاكَ
قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْلُبَكَ، وَإِنَّ الَّذِي وَهَبَكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ
يَحْرِمَكَ، أَمَا لَكَ فِي خَبَرِ بَنِي إْسَرَائِيلَ عِبْرَةً؟!
أَلا فَخُذُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ
رَبُّكُمْ وَبِمَا حَثَّ عَلَيْهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تَرْبَحُوا وَتُفْلِحُوا.. وَلا تَحِيدُوا عَنْ صِرَاطِهِ فَتَهْلَكُوا
ألا فاتقوا الله عباد الله وصلوا وسلموا على رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم, فقد قال جل من قائل
عليماً ﴿إِنَّ
اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل
الشرك والمشركين, ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم ألهمنا رشدنا, وأصلح قلوبنا,
وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتابه.......
تعليقات
إرسال تعليق