البيوع المحرمة في الإسلام/ خطبة (1)
الخطبة الأولى
الحمد لله القائل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبا), أحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلم .
أما بعد عباد الله, أوصيكم ونفسي بتقوى الله
تعالى وطاعته " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون "
أيها المسلمون:
في
صحيح البخاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: يَأْتي علَى
النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالِي المَرْءُ ما أخَذَ منه؛ أمِنَ الحَلالِ أمْ مِنَ
الحَرامِ.
أيها المسلمون
إن من نعمة الله على عباده أن اختار لهم الإسلام
دينًا، وقد جاء هذا الإسلامُ ليحفظ حقوقَ العباد، ويقضي على كل المعاملات التي نهى
الشرع عنها، وقد كانت الجاهلية يتبايعون فيما بينهم بالربا ويأكلون أموالهم
بالباطل، فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
[سورة النساء: 29].
وقد كانت البيوع المنهي عنها كثيرة، لكننا هنا
نذكر بعضًا منها وسنجزئ ذلك على جمعتين
بإذن الله وباختصار:
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
مرفوعًا: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المُخَابَرَةِ والمُحَاقَلَةِ، وعن
المُزَابنة، وعن بيع الثَّمَرَة حتى يَبدُو صَلاحُها، وأن لا تبُاع إلا بالدينار
والدرهم، إلا العَرَايَا.
وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ
أنَّهُ قال: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ المُحَاقَلَةِ،
وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ؛ أخرجه
البخاري؛ [صحيح]، [متفق عليه].
أولاً: سنبدأ عباد
الله بالحديث عن المزابنة لأن فيها تفصيل
المزابنة وهي: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر
الجاف على الأرض، والعنب في شجره بالزبيب على الأرض، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ»، وَالْمُزَابَنَةُ
أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى، إِنْ زَادَ
فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.
فهذه هي المزابنة وهي من الربا؛ لأن فيها جهالة،
فإذا أراد أن يبيع ثمر النخل الرطب في رؤوس النخل بتمر في الأرض فلا يجوز؛ لأن شرط
التماثل غير متيسر، والسبب أن الذي في رؤوس النخل لا يعلم قدره إلا بالخرص.
واستثنى من هذا البيع بيع العرايا:
بيع العرايا: وهو بيع الرطب الذي على النخيل بالتمر القديم ،
واتفق الجمهور على جوازه في التمر يباع برطب على رؤوس النخل، واختلفوا فيما عداه.
الأصل يقتضي تحريم العرية؛ لأنه يشبه بيع
المزابنة، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة للحاجة فيما دون خمسة، والحاجة يعرّفها
الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، يقول: والعرايا: كون الإنسان يحتاج إلى رطبٍ، وليس
عنده دراهم، فيشتري بالتمر الذي عنده النَّخيل – الثمرة - بخرصها تمرًا، ويُعطيه
التمر يدًا بيدٍ، هذه رخصةٌ خاصَّةٌ، لحاجة الناس إلى الرطب، إذا كان ليس عندهم
نقودٌ فيأخذها بخرصها تمرًا، والمشتري يأكله رطبًا، على أن تكون الثمرةُ خمسة أوسق
فأقلَّ؛ يعني: أقل من خمسة أوسق؛ لأنَّ الشق يقتضي عدم حلِّ الخمسة، والوسق ستون
صاعًا في أقلِّ من ثلاثمئة صاع، لا بأس بذلك، واحدها: عرية، والعرية هي هذه، هي
التي تُشترى بخرصها تمرًا، والتمر في رؤوس النخل، فإذا قال العارفون بها أنَّ هذه
الثمرة تكون تمرًا ثلاثين صاعًا، أعطاه ثلاثين صاعًا، يدًا بيدٍ، ووصلت الثمرةُ
له، استثناءً من مسائل الربا، ولحاجة الناس إلى الرطب، فهو يُعطيه مثلًا بمثلٍ في
الخصف، فيما دون خمسة أوسق.
أخرج البخاري ومسلم من حديث سهل بن أبي حثمة،
وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع
العرايا فيما دون خمسة أوسق (شك من الراوي)، والمقصود من بيع الثمر بالتمر؛ أي بيع
ثمر النخلة الجديد بالتمر القديم.
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنه:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ
بِخَرْصِهَا كَيْلًا؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ
يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.
البيع الثاني بيع المخابرة وهي: أن يكري الأرض، ويكون
لصاحب الأرض جانب معين من الزرع، وللمزارع الجانب الآخر.
وهذه هي المزارعة الفاسدة، وهي محرمة؛ لما فيها
من الجهالة والضرر، فقد ينجح جانب صاحب الأرض ويفسد جانب المزارع، فيكون فيها
جهالة وضرر.
أما النوع الثالث المحاقلة: وهو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية.
أو بيع القمح الصافي بقمح ما زال بالسنابل، وهو
بيع معلوم بمجهول.
عباد الله للحديث بقية أقول ما تسمعون وأستغفر
الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
أجمعين.
أما بعد
النوع الرابع من هذه البيوع, المخاضرة وهي: بيع الثمار والحبوب وهي خضر قبل
أن يبدو نضجها, فعن أنس رضي الله عنه
أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمَارِ حتَّى
تُزْهيَ، فقِيلَ له: وما تُزْهِي؟ قالَ: حتَّى تَحْمَرَّ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ
يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟! صحيح البخاري.
الخامس: بيع المنابذة والملامسة, وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - أنه: «نهى عن الملامسة والمنابذة»؛ متفق عليه.
والملامسة: أن يبيعه شيئًا ولا يشاهده على أنه متى لمسه
وقع البيع.
والمنابذة: أن يقول: أي ثوب نبذته إليَّ فقد اشتريته، وفي
البخاري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المنابذة، وهي
طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة،
والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه، وعلة المنع من ذلك كون المبيع مجهولًا لا يعلم.
بيع الحصاة, هو: أن يرمي بحصاة، فيكون البيع على ما تقع عليه
الحصاة، فروى مسلم عن أبي هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
نهى عن بيع الحصاة»؛ [رواه مسلم]، وتفسيره هو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب
وقعت فهو لك بكذا.
هذه بعض البيوع ذكرتها في هذه الخطبة, وسنكمل
بقية البيوع في خطبة الجمعة القادمة بمشيئة الله, فاتقوا الله عباد الله, وصلوا
وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه, فقال جل من قائل عليما(إِنَّ
اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين.....
تعليقات
إرسال تعليق