صفة أداء أنواع الحج الثلاثة "المتمتع-القارن- المفرد" (خطبة)

 


الحمد الله القائل {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. [آل عمران: 97]., وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, القائل " العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةُ ما بَيْنَهما والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً, أما بعد عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطا عته, قال الله تعلى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ }.

واعلموا عباد الله أن من تقوى الله تعالى: المبادرة إلى حج بيت الله الحرام, متى ماتيسر للمسلم ذلك, فالحج فريضة  على كل مسلم قادر, وهو أحد أركان الإسلام الخمسة, فعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم يقول: بُنِيَ الإِسْلامُ على خمسٍ: شهادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضانَ  )أخرجه البخاري ومسلم.

عباد الله,  من أراد الحج فعليه أن يعلم أن الحج ينقسم إلى ثلاثة أنواع, وهي حج التمتع, والمقرن وحج المفرد, وأفضل هذه الأنواع هو التمتع وطريقة أداء حج التمتع أن يُحرم فيه الحاج في أشهر الحج بالعمرة ويقول عند الميقات, بعد التنظف والتطهر والتطيب ولبس الإحرام, لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج, ثم يلبي حتى يصل مكة يرفع الرجل بها صوته أما النساء فيخفضن أصواتهن بالتلبية, فإذا وصل البيت قبل أن يطوف يضطبع, والاضطباع هو كشف الكتف اليمنى وجعل الإحرام تحت إبطه الأيمن وعلى كتفه الشمال ثم يبدأ الطواف من عند الحجر الأسود, يشير إليه بيده اليمنى قائلاً" بسم الله، والله أكبر" وإن زاد "اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم" فلا حرج ويطوف سبعة أشواط يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى, يعني يمشي هرولة بخطى متقاربة, إن تيسر ويمشي في البقية, وهذا من السنة, ومن السنة أيضاً أثناء طوافه أن يدعو الله بما شاء, وكلما وصل بين الركنين يقول الحاج والمعتمر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" فإذا انتهى من طوافه صلى ركعتي الطواف والسنة أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الكافرون والإخلاص, ثم يتجه إلى المسعى ويسعى سعي العمرة سبعة أشواط يبدأ بالصفا, يقرأ قول الله تعالى " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ثم يستقبل القبلة ويهلل يكبر ويدعوبما شاء, وبعدها يبدأ بالسعي, فإذا انتهى يقصر من شعره، ثم يتحلل من إحرامه، ويلبس ملابسه ويجوز له فعل كل شييء من المحظورات بعد التحلل  فإذا جاء اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية يحرم المتمتع لفريضة الحج من جديد ويقول "لبيك حجاً" ويأتي بجميع أفعال الحج ونسكه  وعليه هدي.

النوع الثاني: الإقران, يعني يقرن الحج والعمرة, وطريقته: أن يقول عند إحرامه من الميقات بعد التنظف والتطهر ولبس ملابس الإحرام لبيك عمرة وحجاً, ويلبي بعدها فإذا وصل البيت الحرام طاف وسعى كما فعل المتمتع، غير أنه إذا انتهى من سعيه يبقى على إحرامه ولا يتحلل منه  حتى ينتهى من أعمال الحج. وهو شبيه بنوع المفرد غير أن المقرن عليه هدي والمفرد ليس عليه هدي.

النوع الثالث: المفرد, وطريقته أن يقول بعد التنظف والتطهر ولبس الإحرام لبيك حجاً , وبعدها يلبي حتى يدخل البيت ويطوف ويسعى كما فعل المتمتع والقارن ولكن إذا انتهى من سعيه لا يتحلل من إحرامه يبقى على إحرامه مثل القارن ويكمل بقية مناسك الحج.

وفي اليوم الثامن: يتجه الجميع المتمتع والقارن والمفرد إلى منى ويقضون ذلك اليوم بمنى يصلون الرباعية قصراً بلا جمع ويبيتون بمنى تلك الليلة  وبعد شروق شمس اليوم التاسع يتجهون إلى عرفات, ملبين وبعد الزوال يصلون الظهر والعصر جمع تقديم قصراً بأذان واحدٍ وإقامتين, ليتفرغوا بعدها للذكر, وأفضل الذكر في ذلك اليوم هو ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم, فعن ابن عمرو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:   "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "  وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".

وللحاج أن يدعو بما شاء , ويكون الوقف في أي مكان من عرفة, قال صلى الله عليه وسلم: وقَفْتُ ها هنا بعَرفةَ، وعرَفةُ كلُّها مَوقِفٌ... الحديث" أخرجه مسلم

وبعد الغروب يتجه الحاج إلى مزدلفة ملتزماً السكينة طوال طريقة, لقوله عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس، السكينة السكينة.." قال ذلك في الحج حتى لا يَحْطِم بعضهم بعضا، ولا يؤذي بعضهم بعضا. ثم إذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء  المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين, وينام بمزدلفة حتى الفجر فإذا صلى الفجر ذكر الله عند المشعر الحرام حتى يسفر جداً, وبعدها يتوجه إلى منى, ليرمي جمرة العقبة, وينحر هديه إن كان متمتعاً أو قارناً, أما المفرد فليس عليه هدي, ثم يحلق رأسه أو يقصر والحلق أفضل, لأن الرسول دعا للمحلقين ثلاثاً قال صلى الله عليه وسلم" اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.وهنا يكون الحاج قد تحلل من إحرامه يجوز له كل شيء فعله إلا النساء, ثم بعد ذلك يتوجه إلى الحرم ليطوف طواف الحج وبذلك  يكون قد تحلل التحلل الكامل يجوز له حتى النساء. فإن كان متمتعاً يسعى بين الصفا والمروة سعي الحج, أما القارن فيكفيه سعيه الأول عند قدومه, وبهذه الأعمال يكون الحاج انتهى من أهم أعمال الحج, وتبقى عليه أعمال أيام التشريق.

أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد عباد الله, فبعد أن سمعنا عن طريقة حج الأنساك الثلاثة, المفرد, والقارن والمتمتع, وبينا فيما يتفقون وفيما يختلفون, أما في أيام التشريق, فأعمالهم واحدة, وهي المبيت بمنى أيام التشريق, والرمي للجمرات الثلاث بعد الزوال لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال" خذوا عني مناسككم" فقد كان فعله صلى الله عليه وسلم بعد الزوال, فقد روى أحمد وأبو داود عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة لا يقف عندها.

وفعله صلى الله عليه وسلم كاف ليتأسى المسلم به ويحرص على اتباعه فيه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{الأحزاب:21}.

وبعد الرمي لليوم الثالث من أيام التشريق, أو الثاني لمن تعجل يتوجه إلى بيت الله الحرام ليطوف للوداع طواف الوداع, وهو واجب في حق الحجاج عند الخروج من مكة إلى بلادهم؛ سمي وداعًا لأنه آخر شيء؛ لأنه يطوف عند السفر كأنه يودع البيت بذلك كما يودع الإنسان أقاربه عند السفر، فإذا أراد السفر من مكة؛ فإنه يودع البيت يطوف طواف سبعة أشواط بالبيت عند السفر إلى بلاده، هذا خاص بالحجاج.

والحائض ليس عليها وداع، والنفساء ليس عليها وداع يقول ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» وهكذا النفساء ليس عليهما وداع. نعم.فاتقوا الله عباد الله وصلوا وسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال جل من قائل عليما {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الدعاء.

كتبها : يحيى الشيخي

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة قصيرة : ماذا بعد رمضان

سوءُ الظنِّ بالمسلم وآثاره على المجتمع المسلم (خطبة)

أكل مال اليتيم ظلما/ خطبة