الاستعداد ليوم الرحيل

  

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) أما بعد :

فإن الله جل وعلا، جعل هذه الدنيا دار ممر لا مستقر، وجعل بعدها الحساب والجزاء، والعبد وإن طال عمره فمآله إلى الموت، قال الله جل وعلا: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

إن من أصعب اللحظات على التي تمر على الإنسان في آخر لحظات حياته هي لحظة سكرة الموت, والتي ينبغي أن لا نغفل عن تذكرها لحظة واحدة, هذه اللحظة التي لم يسلم منها حتى الأنبياء كما جاء في صحيح البخاري  من حديث عائشة رضي الله عنها وهي تصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر لحظات حياته تقول" فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ، يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ". فالموت ياعباد الله حقيقة لا مفر منها, قد كتبها الله على كل نفس, قال تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) العنكبوت - الآية 57 "وأن مرد الخلق جميعا إلى الله ، وأن كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت ، وأن الدار الباقية إنما هى الدار الآخرة التى سيحاسب الناس فيها على أعمالهم"( الوسيط لطنطاوي).

وقد نقل القرآن لنا بعض الوصف لحالة مفارقة الروح الجسد فقال جل جلاله: ((كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)) سورة القيامة 30. وكان ابن عباس يقول : إذا بلغت نفس الكافر التراقي . والتراقي جمع ترقوة وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر ، وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر ، موضع الحشرجة ; قال دريد بن الصمة :

ورب عظيمة دافعت عنهم وقد بلغت نفوسهم التراقي, والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت ., وذكر القرآن في موقف آخر قوله تعالى(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ق (19), أي : هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك ، فلا محيد ولا مناص ، ولا فكاك ولا خلاص .تفسير ابن كثير.

فلا تغفل عبد الله عن ذكر الموت, فهو حق لا مفر منه, عن سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب ، تطلبه الأرض بدين ، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جحره ، فقالت له الأرض : يا ثعلب ديني . فخرج وله حصاص ، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات " .

ومضمون هذا المثل : كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت .ابن كثير.

عبد الله إن أيام العمر قليلة، واللحظات محسوبة، والأنفاس معدودة، ولو أردت الرجعة إلى هذه الدنيا، أو أن يمد في عمرك لما استطعت إلى ذلك سبيلا، فكيف بك الآن تضعيها في غير طاعة الله، وتنفق الأيام والليالي فيما لا يحبه ربنا ولا يرضاه، يقول أبو حازم: "متى حيل بين الإنسان والعمل، لم يبق له إلا الحسرة والأسف، يتمنى الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعه الأماني.

ولو أنا إذا متنا تُركنا***لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا***ونسأل بعده عن كل شيء.

بكى أبو هريرة رضي الله عنه في مرضه، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: "أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أصبحت في صعود مهبط على جنة ونار، ولا أدري إلى أيهما يؤخذ بي

إن الناس في هذه الدنيا على ضربين مختلفين، بينهما شُميط بن عجلان رحمه الله بقوله: "الناس رجلان، فمتزود من الدنيا ومتنعم فيها، فانظر أي الرجلين أنت". إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا، فلأي شيء تحبه؟ هل تحبه لتطيع الله وتحسن عبادته، وتتقرب إليه بأعمال صالحة فطوبى لك، أم لتأكل وتشرب، وتلهو وتلعب، وتجمع الدنيا، فلبئس ما أردت له البقاء،قال الخليفة عبدالملك بن مروان في مرض موته: "ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء، فقال: يا دنيا ما أطيبك، إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بِك لفي غرور، قال رجل لزهير بن نعيم: يا أبا عبدالرحمن أوصنا؟ فقال: احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة".

فيا مضيع الصلوات، ما ظنك بربك إذا لقيته، كيف بك إذا حضر ملك الموت لقبض روحك وأنت لست من المصلين، كيف بك إذا سألك منكر ونكير في القبر، لقد ذم الله قوما فقال: ((فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)  .

ثال تعالى: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ))[الزلزلة:7-8].

فيا أرباب المعاصي والذنوب، يا من صرف عن طاعة الله بما عنده من أغانيٍ ومزامير ومشاهدت القنوات، أما تخشى الله حين تعصاه وهو يراك، أما تخاف أن تقبض روحك على تلك المعصية فيختم لك بسوء، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى ضلالة فعليه إثمه وإثم من تبعه إلى يوم القيامة) فإياك أن تكون من دعاة الضلالة، بجلب القنوات والأفلام والأغاني والمسلسلات إلى أهل بيتك، يا من تعلق قلبه بالمعاصي، تذكر الموت وسكرته، والوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد

إخوة الإسلام .. كل إنسان مسلم في هذه الحياة لا يسلم من معصية الله خاصة في هذا الزمان لكثرة فتنه ومغرياته،  ولكن سبيل النجاة هو الاستغفار والتوبة الدائمة, فكلما أذنبت تب إلى الله واستغفره, وأتبع السيئة الحسنة تمحها, وقد أمر ربنا جل وعلا بذلك فقال: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون). إن القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة، ويصدأ وجِلاؤه بالذكر، ويعرى ولباسه وزينته تقوى الله عز وجل.

في صحيح مسلم عن أبي هريرة  يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ..

فالله يحب التائبين ويدعو عباده إلى التوبة ويرغبهم فيها, فيتوب على من تاب ويغفر الذنب, ويصبر على العصاة حتى يتوبوا بالندم على الذنوب والمعاصي, مع الرجوع إلى الله وطلب العفو والمغفرة منه سبحانه, مع النية الصادقة لعدم العودة إلى الذنوب والمعاصي.

فاتقوا الله عباد الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم....

كتبها: يحيى الشيخي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة قصيرة : ماذا بعد رمضان

سوءُ الظنِّ بالمسلم وآثاره على المجتمع المسلم (خطبة)

أكل مال اليتيم ظلما/ خطبة